من هن الباقيات الصالحات

من هم الباقيات الصالحات

حين يتوفّى الله تعالى أحداً من البشر يذهب النّاس إلى المقابر لدفنه، فيقرؤوا له الفاتحة ويستغفروا له ثمّ يتولّون عنه ويرجعون إلى بيوتهم، ويبقى الإنسان في قبره ويبقى معه عمله فقط بعد أن يتولّى عنه ماله وأهله، فالعمل هو الذي يبقى مع الإنسان بعد مماته وارتحاله عن هذه الحياة الدّنيا، فإن كان عمله صالحاً أراه الله تعالى مقعده من الجنّة، وإن كان عمله سيئاً أراه الله تعالى مقعده من النّار، ولا شكّ بأنّ العمل الباقي ينقسم إلى قسمين عملٌ صالح وآخر سيءٌ طالح، وقد ذكر الله تعالى الباقيات الصّالحات في كتابه الكريم في معرض الموازنة بين الفاني والباقي فقال تعالى ( المال والبنون زينة الحياة الدّنيا، والباقيات الصّالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخير أملاً )، كما ذكرت الباقيات الصّالحات في سورة مريم في قوله تعالى ( والباقيات الصّالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخير مرداً )، فما هي تلك الباقيات الصّالحات التي تبقى مع الإنسان وتكون خيرٌ له من كلّ زينة الدّينا ومتاعها؟. تكلّم العلماء في معنى الباقيات الصّالحات والرّاجح من أقوال العلماء أنّها كلّ خيرٍ وعملٍ صالح، فالمسلم حين يسخّر حياته في طاعة الله تعالى فإنّه بذلك يدّخر لنفسه الحسنات في ميزان عمله يوم القيامة، ومن تفوّقت حسناته على سيّئاته دخل الجنّة، وكثيرةٌ هي الأعمال الصالحة التي يتحصّل منها المسلم على الحسنات فمن المسلمين من يسخر ماله في سبيل الله تعالى فتراه ينفق منه على الفقراء والمساكين، ومن المسلمين من يسخّر علمه كي يعلّم المسلمين دينهم وشؤون دنياهم، ومن المسلمين من ينبري لمهمة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فتراه ينصح النّاس العاصين وهو يرجو رضا الله تعالى وجنّته، فكل عملٍ صالح يبتغي فيه المسلم الله والدار الآخرة هو من العمل الباقي الذي ينفعه يوم القيامة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلاّ من أتي الله بقلب سليم. وقد تصدّق النّاس يوماً بشاة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال النّبي الكريم ماذا بقي، فقال له النّاس ذهبت كلّها إلاّ كتفها، فقال لهم النّبي عليه الصّلاة والسّلام مبيّناً حقيقة الحال أنّ كلّ الشّاة بقيت ما عدا كتفها، أي أّنّ التّصدق هو الباقي والنّافع للمسلم، قال تعالى ( فما أوتيتم من شيءٍ فمتاع الحياة الدّنيا، وما عند الله خيرٌ وأبقى للذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون )، صدق الله العظيم.

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)﴾ الدنيا زينتها بالمال والبنون، تصوّر مال من دون بنين أو بنونَ من دونِ مال، كِلاهُما شرطٌ لازمٌ غير كاف، لكنَّ اللهَ عزّ وجل يقول: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، إذاً المال والبنون فانيات، لمّا عرّفَ الباقيات عرّفَ بشكلٍ ضمنيٍ الفانيات وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا، هُنا الآية: إذا الإنسان تفوّق في الدنيا فجمّعَ أموالاً طائلة وأنجَبَ أولاداً يعني كُبراء في نظر المجتمع، وهذا مجدُ الدُنيا، يقول لكَ عندي ثلاث أولاد واحد طبيب وواحد مهندس وواحد معاون وزير يفتخر الأب، وقد يجمّع ثروةً طائلة وقد يُنجبُ أولاداً كِباراً بالمفهوم العام، لكن الإنسان إن لم يكُن مع الله، وإن لم يكن مستقيماً على أمرِ الله، وإن لم يعمل للآخرة، مجدُ الدُنيا لا قيمةَ لَهُ يومَ القيامة

اما فضائل الباقيات الصالحات فَضَائِل الْبَاقِيَاتُ الْصَّالِحَات : ( سُبْحَانَ الْلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الْلَّهُ، وَالْلَّهُ أَكْبَرُ ) الْفَضِيلَةَ الْأُولَى: [ هَذِهِ الْكَلِمَات أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّه ] :فعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَال: { أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت } . الْفَضِيلَةَ الثَّانِيَة: [ هَذِهِ الْكَلِمَات غِرَاس الْجَنَّة ] :فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: { لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ }. الْفَضِيلَةَ الثَّالِثَة: [ هَذِهِ الْكَلِمَات تَمْلَأُ الْمِيزَانَ حَسَنَات] :فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُعَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَال: { الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض }. “وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ: مَعْنَاهُ عِظَمُ أَجْرِهَا وَأَنَّهُ يَمْلَأُ الْمِيزَانِ، مَابَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ ثَوَابُهُمَا جِسْمًا لَمَلَآ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَسَبَبُ عِظَمِ فَضْلِهِمَا مَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالتَّفْوِيضِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ” الْفَضِيلَةَ الرَّابِعَةِ: [هَذِهِ الْكَلِمَات مَنْ قَالَهَا لَهُ ثَوَاب الصَّدَقَة ] :فعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَال: { يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى }(فَهَذِه الْأَرْبَع هِي أَحَب الكَلَام إِلَى الْلَّه، فَهِي أَعْظَم مَا تَتَقَرَّب بِه إِلَى الْلَّه جَل وَعَلَّا مَن الْذِّكْر، وَتَتَصَدَّق بِه عَلَى نَفْسِك، فَقَال: إِن بِكُل تَسْبِيْحَة صَدَقَة لِأَن فِيْهَا الْأَجْر الْعَظِيْم، فَتَصِل بِالتَّسْبِيْحَة نَفْسَك بِأَنْوَاع الْخَيْر وْالْأَجِر).

قال الله تعالى: “وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً)” الكهف: 46) ، و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: الملة، قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: الملّة. قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: الملّة. قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ). بهذا الحديث فسّر الرسول معنى الباقيات الصالحات التي وردت في سورة الكهف بأنهن: سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله أكبرو لا حول ولا قوة الا بالله ، و هؤلاء هنّ من أحب الكلام الى الله تعالى و من أفضل الكلام و أجّله و أحب الى الرسول مما طلعت عليه الشمس و بها نجاة للإنسان من النار و منزلة رفيعة في الجنة و خير متواصل في الدنيا و الآخرة. الباقيات الصالحات تشمل كل الأعمال الصالحة التي تبقى للإنسان بعد موته و يدّخرها لآخرته ويبقى ثوابها و يدوم جزاؤها لذلك فهي خير من الدنيا و ما فيها، و من فضل الله و كرمه أن جعل هذه الكلمات مباركة فعند ترديدها و تكرارها فإنها تعود على الإنسان بالأجر و الثواب العظيم دون أن يبذل جهد كبير فما على الإنسان إلا أن يشغل لسانه بها وقت فراغه أو بعد الانتهاء من الصلاة، و من هذه الفضائل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لأم هانئ بنت أبي طالب حينما أخبرته أنها قد كبرت و ضعفت ليخبرها بعمل تعمله و هي جالسة فأخبرها أن تسبّح اللهَ مئة تسبيحة، وتحمد الله مئة تحميدة، وتكبّر اللهَ مئة تكبيرة، و تهلل مئة تهليلة. و قد بين الرسول الكريم أن مئة تسبيحة تعدل عتق مئة رقبة، و مئة تحميدة تعدل ثواب من تصدّق بمئة فرس للمجاهدين في سبيل الله، و مئة تهليلة تملأ ما بين السماء و الأرض. هذه الأذكار تكفّر عن الإنسان ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر و المقصود بالذنوب هنا الصغائر و ليس الكبائر لأنّ الكبائر لا تكفّر الا بالتوبة، كما أنّها تعتبر صدقة عن العبد في كل تسبيحة أو تهليلة أو حمد أو تكبيرة يقولها و بهذا إشارة الى أن الصدقة لا تكون بالمال فقط بل أيضاً بالذّكر و الإحسان و فعل المعروف و الخيرات و النهي عن المنكرات. على الإنسان أن يداوم دائماً على هذه الباقيات الصالحات لما تعود عليه من خير و طاعات و بها يتقرب العبد من ربه و يغفر الله ذنوبه وينال الأجر و الثواب العظيم و تعلو منزلته في الجنة بإذن الله، كما بيّن أهل العلم أن أسماء الله تعالى كلها مندرجة في هذه الكلمات الأربعة لأن سبحان الله تشمل أسماء التنزيه، و الحمد لله فيها إثبات الكمال لله، و لا إله إلا الله تشمل التوحيد، و الله أكبر فيها التكبير و التعظيم لله.